المنجي بوسنينة

192

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الفرنسي ومذاهبه ، خاصة منها المذهب الرومنسي الذي كان يقصده الشابي دون تسميته ، مع أنه أدب لم يقو على البقاء أكثر من ثلث قرن [ م . س ، 17 ] . في الجزء الثاني نقد الكتاب نقدا تطبيقيا فدافع عن الأدب العربي ضدّ كلّ من ينفي عنه كل عبقرية خلّاقة ، ويصف العقلية العربية بالبساطة والانحطاط والمادية والتعلّق بالأعراض دون الجواهر ، وغير ذلك من الأحكام المغرضة التي عرفت قديما عند الشعوبيين ، وحديثا عند المستشرقين ومن والاهم من النقاد العرب المجددين المعجبين بالغرب ونقّاده مثل العقاد والشابي اللّذين أرجعا خلوّ أمة العرب من الخيال إلى طبيعة البلاد العربية « أو أن خيالها على الأقل كان ماديا سطحيا وضيعا لا حظّ له من العمق والاتساع » [ م . س ، 23 ] كما يتجلى في أساطير العرب ، ونظرة الشعر العربي إلى المرأة والطبيعة . وبعد أن ينكر أن تكون نظرية البيئة هي وحدها السبب الأول في نشأة الخيال واعترافه بأن مشكل الخيال مشكل غامض ، يعلن رأيه في القضية فيقول : « وفي رأيي إن أكبر بلية أصيب بها الآداب العربية فمنعتها من الانطلاق في عوالم الفكر والإبداع هي مصيبة محاكاة الأقدمين وتقليد المتأخر منهم المتقدم . وذلك من امرئ القيس إلى عصرنا الحاضر » [ م . س ، 25 ] . وحتى يكتسب شيئا من التجرّد والموضوعية ينفي عن نفسه استنقاص عمل صديقه والتزهيد في قيمته بأن الشابي من أنصار التجديد في تونس ، وهو يتنبّأ للكتاب بأن سيكون له أثر بالغ في الأدب التونسي على الرغم من أنه كان مطبّقا للنظريات الحديثة لا منظّرا . وبعد هذه المآخذ الجوهرية ذكر أن له على الكتاب مآخذ ثانوية . منها التهجّم على العرب والإسراف حدّ الإحساس بالضجر في استعمال كلمات المادية والانحطاط والتسفّل والبساطة والسذاجة وإلصاقها بالعرب ، « ذلك لأن أول الواجبات على الباحث أو الناقد هو أن يدخل إلى بحثه خالي الذهن » [ م . س ، 29 ] ، وأن يتجرّد من الانحياز إلى جانب دون آخر . كما يؤاخذه لإهمال الشعراء العذريين الذين يدحضون مادية الشعر العربي ، ولأخطائه في الموازنة لما قارن شعراء البدو الرحّل بلامرتين وغوته أنبغ شعراء فرنسا وألمانيا . وفي الختام يشيد بأسلوب الشابي ولغته وتراكيبه وصوره إلى أن يقول : « إننا نعتبر كتاب الخيال الشعري طرفة فنية في الكتابة أكثر منه بحثا علميا يملي على مؤرخ الأدب نظرياته وأحكامه ويضطرّه لاعتماد آرائه واستنتاجاته ، نظرا إلى كون مؤلفه لم يتحرّ فيه دقة الباحث المنزّه عن التحامل ، والتسرّع في الأحكام ، والتجرّد عن الهوى : نقول ذلك لا تعصّبا للعرب ولا إيثارا لأدبهم دون غيره ، أو شفقة عليه من معاول الهدم ، بل نقوله انتصارا للحق ودفاعا عن أساليب البحث العلمي وطرائقه » [ م . س ، 34 ] . ومن دراساته النقدية الجديرة بالتنويه تلك التي كتبها في النقد المقارن بين الجاحظ وفولتير ، وبين ابن رشيق وبوالو . فبعد أن يبحث في الدراسة الأولى عن المتشابهات بين الأولين في ظروف الحياة والمزاج الخلقي والنواحي الفكرية وفي طرائق البيان والكتابة ، يجد بينهما تقاربا إلى درجة أنه ، فيما يقول ، « لو جاز لنا أن نأخذ بالعقيدة الهندية عن تناسخ